حياة في كتاب

حياة في كتاب

كثيرًا ما يصبح الروتين اليومي قاتلًا بما يصحبه من ملل وتكرار لا ينتهي، بما فيه من الواجبات اليومية إلى الأعمال واللقاءات الأسرية وغيرها من الحتميات التي تصبح في نهاية الأمر حلقة مفرغة لا مفرّ منها. وفي بعض الأحيان، يخيّل للمرء أن لا طريقة للهروب من رتابة الواقع وجموده. إلا أن البعض في الواقع، يستدلّ إلى طريقة غفل عنها الكثيرون أو لم يهتموا بتخصيص وقت لها، للتسلّل من غمار الواقع إلى عتبات الخيال وما يرافقها من متعة لا تنتهي وتجارب تثري العقل والعاطفة في آنٍ واحد؛ ألا وهي القراءة. قد يبدو الأمر في ظاهره أبسط من أن يصدّق لدى الوهلة الأولى، إلا أن التجربة خير برهان على الفوائد التي تجلبها القراءة لممارسيها على المستوى العقلي والنفسي والجسدي والاجتماعي على حدٍ سواء.


قد يبدو طيّ صفحات أي كتاب وقراءة محتواه في غاية السهولة، إلا أنه أمر يتطلب المهارة واليقظة والميول لدى المبتدىء لينتقل بالقراءة من كونها مجرّد هواية إلى جلسة علاجية فعّالة. وممّا يشجّع على القراءة وجود كمٍّ هائل من المحتوى الأدبي الذي يتطرّق إلى مختلف المواضيع؛ منها الروايات الخيالية بمواضيعها الرومانسية أو المليئة بالمغامرات والإثارة على سبيل المثال، أو المستندة إلى أحداث واقعية أو تحليلات نفسية توسع مدارك القارئ وتنقله من التفكير السطحي إلى تقدير خبايا الأمور والتعامل مع المواقف اليومية بمهارة وأسلوب أكثر سلاسة. أمّا السير الذاتية فهي نوع آخر من الأدب الذي يختصّ بسرد أحداث حياة شخص على لسانه أو لسان غيره، مما يتيح للقارئ التواصل مع المجتمع والشعور بدوره في المجتمع بصفته قطعة مكملةً لأحجية، ذلك إلى جانب الشعر الذي يصقل المهارات اللغوية وينمّي العاطفة لدى القارئ والنصوص المقالية التي تثري المعارف وتنطوي على الأخبار والمعلومات الإثرائية. ولعلّه من غير العدل أو الحكمة حصر نشاطاتك في قراءة نوع واحد من الأدب، إلا أن ذوق الأشخاص الأكثر نجاحًا يميل إلى قراءة الكتب الإرشادية التي تحوي النصائح وخلاصة الخبرات السابقة.


وبصرف النظر عن نوع النص المتناول، فإنّ للقراءة في ذاتها فوائد لا تحصى على الصعيد الجسدي والنفسي. فعلى سبيل المثال، إن للقراءة دورًا هامًا في الحدّ من التوتر بنسبة 68% عند القراءة ما بين 6 إلى 30 دقيقة يوميًا، إلى جانب التقليل من الشعور بالاكتئاب والإحباط وخفض الضغط ومستوى ضربات القلب والحماية نسبيًا من مرض ألزهايمر. ويعود السبب في ذلك إلى كمّ التحفيز الذهني التي تتضمنه القراءة، من رسم الشخصيات في المخيلة إلى تحليل النصوص ودلالات الكلمات، عدا عن تشكيل مصدر لتشتيت الأفكار المتعلقة بالواقع ومنحك فرصة لتفادي الدخول في دوامة من الأفكار التي تقودها ردود الفعل اللحظية أو التوتر المبالغ به في بعض الأحيان، إذ أن الاسترخاء والابتعاد عن محيط التوتر لوهلة قد يعيد الصورة إلى حجمها الطبيعي.


إن القراءة تتيح لك رؤية ما يتخطى حدود جدرانك الأربع أو عتبة بابك الخارجي، فمن دونها تعيش حياة واحدة تنحصر ضمن النطاق الضيق للواقع. ولكن، لك أن تتصوّر مدى متعة الحياة إن كنت تقضي يومًا بين أسفح الجبال وآخر في أعماق البحار، لتغوص بعدها في غمار الماضي وحروب القِدم وتعود نهاية اليوم إلى سريرك دون تكبّد عناء السفر ومشقة الترحال. فلك أن تقرأ أغنى النصوص وتخوض أعنف المغامرات أثناء جلوسك في مقعد الحافلة أو استلقائك على سريرك! إذ أن إشباع فضولك وإرضاء حواسك بات أمرًا في متناول يدك؛ ومن المؤكد أن الرضا الذي تجلبه القراءة فريد من نوعه؛ فهو رضا لحظي يمسّ الخيال والعواطف، ورضا معرفي يغذّي العقل على المدى البعيد.


تعبيرًا عن جمال هذه التجربة الغنية بمحتواها قلبًا وقالبًا، فقد خصّص لها العديد من الكتّاب والأدباء العديد من الأقوال والأشعار التي تلخّص روعتها؛ ومنها على سبيل المثال:

·        القراءة وحدها هي التي تُعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة؛ لأنها تزيد هذه الحياة عمقًا، وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب. - عباس محمود العقاد

·        نقرأ لنعرف أننا لسنا لوحدنا.  - سي إس لويس

·        دعونا نقرأ ونرقص فهذه هي التسلية التي لن تتسبب بأي ضرر للعالم.  - فرانسوا فولتير

 

لا تخفى على أي كان طفلًا أو كهلًا أهمية العلم والثقافة التي تتجلى بين سطور الصفحات وبين حروف كلماتها. فلمَ الانتظار؟ لا يحتاج البدء في رحلتك إلى أكثر من كتاب تقلّب صفحاته ريثما تطلق خيالك في رحلة عبر مشارق الأرض ومغاربها لتصبح شخصًا مختلفًا؛ أكثر حكمة وأوسع مداركًا وأفصح لغة.


المراجع:

1.       https://blogs.aljazeera.net/blogs/2019/1/24

2.       https://medium.com/the-mission/the-health-benefits-of-reading-c95f24dfb971

3.       https://www.lifehack.org/articles/lifestyle/10-benefits-reading-why-you-should-read-everyday.html